وكالة سباي سات الاخباري - عمان - د. يزن الشمايلة - ليس من السهل أن تكتب عن رجلٍ اختار أن يكون جسرًا لا يُرى، تمرّ فوقه حاجات الناس دون أن يلتفت لنفسه. وليس من العدل أن يُختصر العمل الخيري في أرقام وتقارير، حين يكون في حقيقته عرقًا، وتعبًا، وانكسار كرامةٍ من أجل كرامة الآخرين.
في الكرك، هناك اسمٌ يتردّد همسًا في بيوت الفقراء، ودعاءً في أفواه الأيتام: معن الشمايلة.
قررت أن أرافقه ليومٍ واحد، لا لأكتب مقالًا عابرًا، بل لأفهم: كيف يمكن لإنسان أن يحمل كل هذا الهمّ، ويمضي واقفًا؟
منذ الصباح الباكر، كانت سيارته الخاصة مكتبه المتنقل. لا سائق، ولا موكب، ولا امتيازات. عشرات الزيارات لمؤسسات ورجال أعمال، يدخل بابتسامة المتعب، ويخرج أحيانًا بخيبة، وأحيانًا بأمل جديد. رأيته يترجّى هذا، ويتذلّل لذاك، لا من أجل نفسه، بل من أجل أسرةٍ لا تملك قوت يومها. كان يتنازل عن كبريائه كما يتنازل الأب عن راحته لأجل أطفاله.
في يده ملفات ثقيلة، ليست أوراقًا… بل أقدار بشر.
عشرات جوازات السفر لأيتام، يحملها كما يحمل الأب أحلام أبنائه، متنقّلًا بها من بابٍ إلى باب، بحثًا عن متبرع يمنحهم رحلة عمرة مجانية؛ ليشعروا أن لهم نصيبًا من هذا العالم، وأن اليُتم لا يعني الحرمان من الفرح.
وفي ملفٍ آخر، كشوفات لمئات الأيتام، يسعى لتأمين كفالات لهم من مستثمرين ومحسنين. كل اسمٍ فيها حكاية، وكل رقمٍ وجهٌ ينتظر من يمد له يدًا. لم يكن يتعامل مع الأعداد، بل مع القلوب.
وقبل أن ينتهي اليوم، كان يفكر بالغد…
رمضان القادم.
بدأ من الآن بتأمين طرود الخير لمئات الأسر، وملابس العيد للمحتاجين. وكأن الزمن لا يسعفه، وكأن الفقر لا ينتظر، فيسابق الأيام ليصل قبل أن ينكسر خاطر طفل في صباح العيد.
معن الشمايلة، رئيس اتحاد الجمعيات الخيرية في الكرك، وأمين سر مجلس الاتحاد في المملكة، ليس مجرد منصب. هو رجلٌ اختار أن يكون في الصفوف الخلفية، ليقف الآخرون في الضوء. يشبه الساعي بين القلوب، أو الفلاح الذي يزرع ولا ينتظر أن يأكل من الحصاد.
في زمنٍ كثر فيه الكلام وقلّ الفعل، يثبت هذا الرجل أن التطوع ليس وقت فراغ، بل موقف حياة. وأن العطاء الحقيقي لا يُقاس بما نملك، بل بما نتحمّل.
هذا ليس مقال مديح، بل شهادة يومٍ واحد مع رجلٍ لو وُزّع جهده على عشرات، لكفاهم.
وفي الكرك، كما في قلوب كثيرين، سيبقى معن الشمايلة مثالًا حيًّا على أن الخير لا يزال بخير… ما دام هناك من يحمله على كتفيه ويمضي.


